سوق عكاظ الإسلامي

الوطن

سوق عكاظ الإسلامي

  • 19 أغسطس 2016
  • لا توجد تعليقات

سوق عكاظ ليس عيدا دينيا، وليس فيه وثن يُعبد، بل سوق دنيوي يتبضع منه العرب قبل الإسلام وبعده، ويلقون فيه الشعر حتى بعد الإسلام، ولكن بما لا يخالفه بل يعزز قيمه ومبادئه

سعدت هذا العام 1437 للهجرة النبوية الشريفة بحضور حفل افتتاح سوق عكاظ في عامه العاشر، وذلك بدعوة كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز مستشار خادم الحرمين الشريفين وأمير منطقة مكة المكرمة ومحيي هذا السوق التاريخي.
نقل الدعوة لي الزميل في مجلس الشورى وأمين اللجنة الإشرافية لسوق عكاظ الدكتور سعد مارق، وقد سرني ما رأيته من إحياء هذا السوق بشقيه الثقافي الأدبي الشعري والاقتصادي التنموي المعيشي، ولا أجامل أو أبالغ حين أقول إن أستاذنا القدوة خالد الفيصل، هو رجل المبادرات في شتى المجالات، ومنها: جريدة الوطن، ومؤسسة الفكر العربي، وسوق عكاظ التاريخي، وغيرها كثير مما يزيد عن واجب مسؤولياته، سواء حينما كان أميرا لمنطقة عسير أو أميرا لمنطقة مكة المكرمة، أو وزيرا للتربية والتعليم.
والكثير غيري كتبوا عن هذا السوق ومهرجانه وحفله ومناشطه، ولكن بقيت الكتابة عن شرعيته، لا سيما في ظل كتابات متشددة تقاوم السوق وتحرمه، فوجب علي دينيا وقوميا ووطنيا أن أحرر القول فيه، فأقول: إن سوق عكاظ اليوم جائز شرعا، بل أرى أنه ليس مجرد مباح بل مستحب، لما فيه من مكارم العرب في الجاهلية، من حيث أخلاقهم الحميدة وسلوكهم المحمود، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وهذا من عدله عليه السلام، إذ لم يجرد العرب من الأخلاق، بل شهد لهم بذلك قبل الإسلام، وإنما جاء الإسلام ليكمله ويتممه، بحيث يمنع ما هو مخالف للدين ويؤيد ما هو موافق له أو غير مخالف له، ويأتي بما نقص منه.
وحينما تصفحت صفحة سوق عكاظ في “ويكيبيديا”، وجدت فيها الحق والباطل، إذ إنه من المعروف أن من يحرر صفحات “الويكي” هم أفراد متطوعون عبر العالم من شتى الأفكار، ولا شك أن منهم غلاة أو جهلة أو مغرر بهم، إذ زعموا أن الإسلام هدم هذا السوق، وهذا غير صحيح تاريخيا وشرعيا، فالإسلام لا يهدم ما قبله إلا ما فيه مخالفة له، ويكون حينها بالتهذيب والترشيد والتطهير لا الهدم، والصحيح أن الأسواق الثلاثة “عكاظ ومجنة وذو المجاز” استمرت بعد الإسلام حتى خرج الحرورية التكفيريون الغلاة فخربوها، ومعاذ الله أن ينسب للإسلام هدم التاريخ العربي بأخلاقه وسلوكه، وإنما جاء الإسلام بالتهذيب والتطهير مع بقاء المناسبات، لا سيما أن سوق عكاظ هو تجاري للتبضع ويزامنه إلقاء للشعر الذي أمكن تهذيبه بما لا يخالف الدين، بل يفتخر بالإسلام ويعزز قيمه وأخلاقه، وقال بذلك الكلبي في “أخبار مكة للأزرقي 1/283″، إن سوق عكاظ استمر في الإسلام حتى سنة 129 للهجرة، حين خرجت الحرورية بمكة مع التكفيري أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي الإباضي، فخاف الناس أن ينهبوا وخافوا الفتنة فتركت ثم تركت “مجنة” و”ذو المجاز” بعد ذلك، حتى قيض الله له أمير مكة خالد الفيصل ليعيده بعد 13 قرنا.  قال البكري في “معجم ما استعجم 3/959”: “واتخذت سوقا “أي عكاظ” بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وتركت عام خرجت الحرورية بمكة مع المختار بن عوف سنة تسع وعشرين ومئة إلى هلم جرا”، ومن يدّعي أن الإسلام يمنع إحياء مآثر الجاهلية بإطلاق فهو مخطئ؛ لأن الممنوع ما له علاقة بمآثر تخالف عقيدة الإسلام وشريعته ومنهجه وأخلاقه وسلوكه وليس ما لا يخالفه فضلا عما يوافقه، ناهيك عما يعززه بأخلاق جاء الإسلام ليتممها، مما يعني أنه لا يهدمها ولا يتبرأ منها، ونحن كعرب مسلمين، نفخر بأجدادنا العرب قبل الإسلام في أخلاقهم وسلوكهم وثقافتهم وشعرهم ونثرهم ونحوه، ولكننا لا نفخر بشركهم وما يخالف التوحيد مع أنهم معذورون قبل الرسالة، حيث أسلموا بعد الرسالة.
وسوق عكاظ ليس عيدا دينيا وليس فيه وثنٌ يُعبد، بل سوق دنيوي يتبضع منه العرب قبل الإسلام وبعده، ويلقون فيه الشعر حتى بعد الإسلام، ولكن بما لا يخالفه بل يعزز قيمه ومبادئه، وليس من العقل ولا العدل أن نتبرأ من عروبتنا ومآثرنا الحميدة التي جاء الإسلام ليثمنها ويقدرها ويحافظ عليها لا أن يهدمها بزعم الغلاة وحرورية اليوم، ومع ذلك فنحترم من يرى خلاف هذا الرأي، ولكن عليه أيضا أن يحترم رأي غيره ولا يتحكم برأيه، فضلا عن أن يصادر رأي غيره، ناهيك عن أن ينكر عليه بزعم الاحتساب، وبالتالي فسوق عكاظ اليوم شرعي لا غبار عليه وفيه استحضار لمآثر ما أحوج المسلمين اليوم إليها من الصدق والمروءة والكرم والشجاعة والفروسية والفخر الجميل والمدح المباح، وتعزيز الروح المعنوية للمسلمين في وقت تكالبت فيه علينا الصهيونية والصليبية والصفوية، ووجب حينئذ أن نستحضر تاريخنا المجيد الذي يعلمنا العزة والكرامة والنصر والحرية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عيسى الغيث

الرابط المختصر